التقنية الحيوية

التقنية الحيوية

وجدت التقنية الحيوية منذ آلاف السنين. ولعلها ظهرت حين بدأ أجدادنا باستخدام الكائنات الدقيقة لتحضير الخبر والنبيذ والجبن. وانتقلت هذه التقنية إلى مرحلة علمية بدرجة أكبر في ستينات القرن التاسع عشر حين شرع كل من باستور بأعماله في ميدان الكائنات الدقيقة ومنديل في ميدان مورثات النباتات ؛ وأدى العمل الرائد الذي قاما به في بداية القرن العشرين إلى الانتقاء الخاضع إلى المراقبة واختبارات الاستيلاد، وإلى إنتاج المحاصيل والأصناف الحيوانية والأجناس والهجينات إنتاجا تجاريا بعد مرور 50 سنة .

ومنذ تلك الفترة بدأ عصر التقنية الحيوية الحديثة التي مهدت التقدم المحرز في ميدان زراعة الخلايا في الأنابيب واستخدام التقنيات الجزيئية على حد سواء بغية تعريف المورثات، وكما في اللغة الحاسوبية اليومية اقطع والصق المورثات من خلية على أخرى. ويطلق على عملية إعادة تركيب أسيد DNA بالهندسة الوراثية، ويطلق على منتجاتها – الكائنات الدقيقة والنباتات والأشجار والمواشي والأسماك – اسم الكائنات المحورة وراثيا. ونشهد اليوم بسرعة لا توازيها إلا الثورة الرقمية تفكيك بنية مجموعة المورثات فضلا عن اكتشاف وظائف كل مورثة على حدة وفهم كيفية تجميعها وتفكيكها من أجل تغيير سمات الكائن الحي بأكملها.

تحليل الفوائد. ما هي الفوائد التي جنتها الأطراف التي طورت الكائنات المحورة وراثيا وزرعتها واستهلكت منتجاتها ؟ ما زالت الصورة غير واضحة. نظرا لندرة الدراسات في ميداني المراقبة والاقتصاد على نطاق واسع. وتشير المعطيات التي تقدمها وزارة الزراعة الأمريكية إلى أنه على الرغم من حدوث تخفيض كبير في استخدام مبيدات الأعشاب بصورة إجمالية ، راح المزارعون يستعملون مركّب واحد أو مركبين فقط عوضا عن ثلاث أو أربع مركبات مختلفة (إن المركب الرئيسي المستعمل يحمل اسم غليفوسات الذي يقر عموما بأنه أقل ضررا على الصعيد البيئي من العديد من مبيدات الأعشاب الأخرى التي حل محلها). وقدرت دراسة أجريت مؤخرا أن فصائل الكائنات المحورة وراثيا ساعدت المزارعين الأمريكيين من منتجي فول الصويا على توفير مبلغ 216 مليون دولار أمريكي كانت تنفق من أجل إزالة الأعشاب عام 1999.

أما فيما يتعلق بمبيدات الحشرات بعد إدخال “محاصيل Bt” (تحتوي على مورثات من بكتيريا باسيوس توريجينسيس أو Bt، وهي بكتيريا توجد في التربة وتفرز مادة بروتينية تؤدي إلى تسمم بعض الحشرات) فإن الصورة أوضح نوعا ما. وتتفاوت تقديرات التوفير، إلا أن إحدى الدراسات قيمت التخفيض الإجمالي في استعمال مبيدات الحشرات في الولايات المتحدة بنحو 1200 طن سنويا مما يعود بفوائد كبيرة على البيئة.

والصورة في البلدان النامية أقل وضوحا. فقد حلت مادة الغليفوسات محل مجموعة مبيدات الأعشاب التي كانت تستعمل سابقا، ثم زاد استعمالها ثلاثة أضعاف منذ أن بدأ المزارعون في منطقة Pampa Ondulada الأرجنتينية بزراعة فول الصويا المحور وراثيا. وثمة عنصر جدير بالاهتمام هو أن هذا المحصول يدرج ضمنا في الدورة الزراعية في كل من الأرجنتين والولايات المتحدة مع القمح والذرة وعباد الشمس، وساعد في إدراك أهمية تقليل عمليات الحرث.

التقنية الحيوية حالها حال أية أداة ليست أداة ساحرة
——————————————————————————–

أما في المكسيك فقد أدت زراعة القطن المحور وراثيا من قبل صغار المنتجين في منطقة Comarca Lagunera إلى خفض نسبة 50 % في استعمال مبيدات الآفات في زراعة القطن المحور وراثيا والقطن التقليدي، فضلا عن زيادة الغلات وتحسين نوعية خيوط القطن من المحاصيل المحورة وراثيا نوعا ما في المواسم التي تكثر فيها الآفات. وتفاوتت الأرباح التي حققها المزارعون تفاوتا كبيرا في الدراسة التي دامت عامين، إلا أن متوسط الربح بلغ 295 دولارا أمريكيا للهكتار الواحد في حين بلغت المداخيل الصافية التي حصل مقدم التقنية على عائد صافي يقدر بنحو 100 دولار أمريكي من كل هكتار. ولعبت الائتمانات الحكومية المقدمة لشراء البذور دورا أساسيا في تحقيق هذا النجاح الى جانب الاعتماد على الإدارة المتكاملة للآفات على نحو متوافر مع معالجة الآفات غير المستهدفة والتعاون مع مرشدين زراعيين مدربين تدريبا جيدا والاستعانة بالخدمات الاستشارية التي تقدمها الشركات متعددة الجنسيات. وفي حين لم تتوفر بعد بيانات موثقة من الصين إلا أن تقريرا صحفيا نشر مؤخرا أشار إلى أن عدد المرات التي استخدمت فيها تطبيقات مبيدات الآفات انخفض من أكثر من 20 حالة الى أثنين وثلاثة سنويا منذ بدء زراعة القطن المحور وراثيا.

وفي ظل غياب أدلة تجريبية تشير إلى عكس ما ورد، من الحق أن نخلص إلى أن المزارعين ومزودي التقنية يشكلون المستفيدين الرئيسيين لغاية اليوم من تقنية التحوير الوراثي ؛ فضلا عن أن الآثار الرئيسية التي تم تسجيلها تمثلت في التخفيض في استعمال مبيدات الحشرات والانتقال إلى مبيدات أعشاب أقل أذى بالبيئة.إلا أنه تندر العناصر التي تشير إلى أن الكائنات المحورة وراثيا تتيح تسجيل زيادة كبيرة في الغلات إذا ما تمت مقارنتها بالممارسات التقليدية.

تقييم الأخطار. ماذا بشأن الأخطار التي قد تحدق بكل من البيئة وصحة الإنسان من جراء زراعة المحاصيل المحورة وراثيا؟ تتضمن أهم مواطن القلق على الصعيد البيئي انتشار صفة التحور الوراثي إلى سائر فصائل المحاصيل والفصائل ذات القرابة والبذور البرية والحشرات المستهدفة وغير المستهدفة والفيروسات والفطريات.أما فيما يتعلق بالصحة فتنطوي الأخطار الممكنة على ظهور عناصر جديدة تسبب الحساسية وبكتيريات تقاوم المضادات الحيوية.

إن بعض هذه المشاغل حقيقية ولا يمكن تجاهلها. وينبغي لمطوري المنتجات المحورة وراثيا أن يقروا بأن من الصعب أن يؤدي إدراج مورثات تقاوم المضادات الحيوية إلى تحسين قبول التقنية من جانب عامة الناس. ومن جهة أخرى، فإن مشكلة الآفات التي تطور مقاومتها لتدابير المكافحة – البلاء الذي يعاني منه المزارعون منذ عشرات السنين- تعني أن من الأساسي تصميم كل من المحاصيل وخطط المقاومة بعناية. بل قد يكون من الصعب حتى، على سبيل المثال، حين تتوافر شتلات أرز تحتوي على جرعات عالية من مادة Bt، إعداد أنظمة ملاذ فعالة ووضعها موضع التنفيذ في حالة أنظمة الكفاف.

وثمة مسألة أخرى: إذ في حين تتضمن الهندسة الوراثية قدرا كبيرا من الخصوصية في ما يتعلق بنمط التركيبة الوراثية، لكن قدرتها التحكمية محدودة -لغاية اليوم- بشأن موقع التركيبة في الجينوم، وبالتالي بشأن سلوك تركيبة المورثات الجديدة هذه. ومن هنا تطرح إمكانية التنوع الوراثي وشبه الظاهري. وعلى الرغم من أن من المتوقع كشف هذه العناصر في المحاصيل عند إجراء التجارب المخبرية وقبل نشر هذه النباتات، ثمة احتمال من أن يكون من الصعب كشفها في حالة الأشجار نظرا لطول فترة حياتها.

ولا شك بأن المورثات تنتقل في الأنظمة البيئية من محصول إلى آخر من نفس الفصيلة وإلى الأنواع البرية القريبة وراثيا منها والى الحشرات والأعشاب وبكتيريا التربة. وهذا ما يحدث في المحاصيل المولدة بصورة تقليدية ولا تشكل المحاصيل المحورة وراثيا استثناء. ومن هنا لا تقوم المسألة على تقدير مدى إمكانية نقل المورثات، وإنما على ما إذا كانت المحاصيل المولدة وراثيا تتضمن نوعا مختلفا من المخاطر وبمستويات مختلفة من التعريض بظل الظروف العملية للزراعة مقارنة بنفس المحاصيل المولدة بنفس الميزات شبه الظاهرية باستخدام نمط الاكثار التقليدي. وبعبارة أخرى فهل هذه المسألة مهمة ؟

لم يكرس لغاية اليوم سوى قدر قليل من الاستثمارات من اجل تقييم الآثار البيئية المحتملة الناجمة عن المحاصيل المحورة وراثيا على المدى الطويل، إلا أنه لم تكتشف لغاية اليوم أية عناصر سلبية. وفي فترة متأخرة من العام الماضي منحت المجموعات الاستشارية الخارجية التابعة إلى المفوضية الأوروربية “إعلان السلامة الصحية” لكل من هذه المحاصيل والمنتجات المشتقة منها أشارت فيه إلى أن الأبحاث المكثفة خلصت إلى أن ليس هناك أية أخطار جديدة تحدق بصحة الإنسان أو البيئة تتخطى مواطن الشك الناجمة عن توليد النباتات بصورة تقليدية. وتوصلت الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة إلى نفس الاستنتاج بشكل أساسي عام 2000. إلا أن كلا من التقريرين دعا إلى اعتماد مراقبة تنظيمية واضحة وإلى تكريس عناية أكبر لتحسين فهم كل من هذه العملية والمفاهيم التي تشير إليها من جانب الجمهور.

يجب على التقنية الحيوية أن تستهدف المحاصيل التي يستخدمها المزارعون من قليلي الدخل فضلا عن السمات التي يحتاجون إليها بما في ذلك التشديد بدرجة أكبر على سمات النوعية ومقاومة الشروط الصعبة غير الحيوية.
——————————————————————————–

أما في البلدان النامية فيكاد لا يكون هناك أية خبرة باستثناء الأرجنتين والصين في ميدان زراعة المحاصيل المحورة وراثيا على نطاق واسع، فضلا عن أنه لا يتيسر سوى قدر قليل من المعلومات بشأن آثارها البيئية والاجتماعية والاقتصادية. كما أن مصاعب التنبؤ بالآثار ودراستها قبل توزيع هذه المحاصيل دون قيود معروفة كل المعرفة. وستكون هذه المصاعب أكبر في العديد من البلدان النامية بسبب التنوع الهائل على صعيد كل من الأصناف المزروعة والفصائل البرية القريبة منها، فضلا عن طبيعة أنظمتها الإنتاجية وحجمها. ولا بد كذلك من أخذ كل من الضعف على صعيد مراقبة القواعد التنظيمية بشأن الأمن الغذائي والبيئي والإشراف عليها وتطبيقها في الاعتبار، كما بينت ذلك التقارير بشأن ظهور الذرة المحورة وراثيا في المكسيك.ومن هنا سيقوم خيار البلدان الحكيم على عدم التسرع بل الاستثمار في كل من الأبحاث والمراقبة ومعاينة كل نشر مقترح على أساس كل حالة على حدة باعتماد سلطة فعالة وشفافة.

إلى أين اليوم … تشكل التقنية الحيوية ميدانا تجاريا كبيرا في العالم المصنع. وعلى الرغم من أن كلا من عدم لمس فوائدها من جانب المستهلكين والمشاغل حيال الأمن الغذائي والبيئي أبطأت اعتماد المنتجات المحورة وراثيا في بعض البلدان،إلا إن قدرتها الكامنة الظاهرية غير المحدودة للتطبيق المستقبلي التي توازيها أنظمة الملكية الفكرية المدعمة والأوسع مدى رجحت كفة ميزان الاستثمارات بشكل كبير لصالح القطاع الخاص وبالتالي لصالح السوق العالمية للسلع.

وتمت في بعض البلدان النامية اليوم استثمارات كبيرة في ميدان التقنية الحيوية والكائنات المحورة وراثيا، إلا أن التقنيات والمنتجات لا تراعي على نحو كاف حاجات المزارعين من أصحاب الدخل المنخفض. ومن هنا فمن المرجح أن يكون كبار المزارعين ممن يوجهون أنشطتهم بدرجة أكبر إلى الميدان التجاري ويركزون على السلع التصديرية عالية القيمة من أهم المستفيدين في هذا الميدان. وسيكون كل من شركات البذور الخاصة والمساهمين في التعاونيات الدولية المستفيدين الآخرين من الكائنات المحورة وراثيا.

ويجب على التقنية الحيوية، بما في ذلك الكائنات المحورة وراثيا أن تستهدف المحاصيل والخصائص التي يحتاجها بما في ذلك التشديد بدرجة أكبر على خصائص النوعية ومقاومة الظروف الاجهاد غير الحيوية إذا ما كانت تنوي الوفاء بوعدها بالتخفيف من المجاعة والفقر في العالم النامي.وثمة حاجات إضافية حرجة تقوم على تخفيض التشديد على الترتيبات التي تتيح للبلدان النامية النفاذ إلى تقنية الملكية، ولتقديم بذور محسنة للمزارعين الفقراء فيما تقدم الحماية لهم من التقييدات غير الملائمة على صعيد نشر محاصيلهم. ويشكل كل من مبادرة تطوير أرز مدعم غذائيا – وقرار حاملي البراءات ذات الصلة بتيسير هذا المنتج للبلدان النامية على نطاق واسع دون المطالبة بحقوق الملكية الفكرية – خطوة من الخطوات الإيجابية في هذا الاتجاه.

إن أصناف المحاصيل أو التركيبات الوراثية المستوردة لن تؤدي بحد ذاتها إلى تحقيق تحسينات مستدامة على صعيد الإنتاجية وتنويع أنظمة الإنتاج الزراعي ذي القيمة العالية في البلدان النامية بل الاكثار المحلي المرتبط بالمناهج المستندة إلى الأنظمة هو الذي بإمكانه معالجة الحاجات المحلية والعناصر التفضيلية الثقافية وتوفير طعام كاف وآمن ومغذ. وينطبق ذات الشئ على الثروة الحيوانية ومصايد الأسماك والحراجة. ويصح ما ورد حاليا كما سيصح مستقبلا نظرا لتحديد وظائف المزيد من المورثات التي ترشح للنقل.

إن التقنية الحيوية حالها حال أية أداة أخرى ليست أداة ساحرة. ويتطلب نشرها على نحو ناجح تحديد الفرص أو الاحتياجات لإدراجها ضمن مجموعة تقنية أوسع نطاقا. وتتطلب التقنية الحيوية كذلك تقييم التكاليف والأخطار التي تنطوي عليها بعناية فضلا عن الفوائد التي من المرجح جنيها.وثمة عنصر آخر يتساوى في أهميته مقارنة بما ذكرنا ألا وهو ضرورة اتخاذ هذه القرارات في إطار سياسة تدعم المصلحة العامة وتحميها.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s